لديّ قسطٌ شهريٌّ ثابت، أسدّده كل شهرٍ بانتظامٍ من راتبي.
لكن في هذا الشهر، تغيّر الوضع قليلاً. ازدادت نفقاتي، وظهرت التزاماتٌ جديدة لم تكن في الحسبان. بدأ القسط يُثقل كاهلي.
قلت لنفسي: «سأسحب من بطاقتي الائتمانية لأسدّد بها القسط هذا الشهر، وأرتّب أموري لاحقاً».
سحبتُ.. وارتحت. سُدّد القسط، وخفّ الضغط.
لكن بعد شهرين، وصلتني فاتورة البطاقة، وفيها فائدةٌ إضافية لم تكن موجودة من قبل. الدَّين نفسه لم يختفِ، بل تغيّر شكله، وازداد وزنه.
هذه قصتي أنا. وهي، بشكلٍ مختلف، قصة الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام مع ديونها.
اقرأ أيضًا.. هناء حمزة تكتب: أميرة سجواني.. عندما تبني الابنة إرثها بنفسها
تمتلك الحكومة الأمريكية كمّاً هائلاً من السندات (أي الديون) طويلة الأجل. والمشكلة أن المشترين التقليديين لهذه السندات، وبخاصة من خارج أمريكا، صار لديهم ترددٌ أكبر في الشراء.
فما الحل؟
قررت الخزانة الأمريكية أن تسلك نهجاً شبيها بما فعلتُ أنا: فبدلاً من إصدار مزيدٍ من السندات الطويلة الأجل، بدأت تشتري (تسترجع) جزءاً من السندات الطويلة القديمة، وتُصدر بدلاً منها سنداتٍ قصيرة الأجل.
وبعبارةٍ أبسط: «لنسدّد الالتزام الطويل بشيءٍ أقصر أجلاً، ونرتاح مؤقتاً».
وقد أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت أن حجم هذه العملية سيتضاعف، ابتداءً من التاسع من سبتمبر وحتى الرابع من نوفمبر.
اقرأ أيضًا.. هناء حمزة.. ريادة عربية في «الوعي المالي» تبدأ من Fifreedomtoday
لكن هنا يُطرح السؤال الجوهري: هل هذا حلٌّ… أم مجرد تأجيل؟
أجاب جيمس سوليفان، أحد كبار المحللين في «جيه بي مورغان»، عن هذا السؤال بمثالٍ بسيطٍ للغاية في مقابلةٍ مع شبكة «سي إن بي سي»:
«هذا أشبه بتسديد قسط الرهن العقاري ببطاقة الائتمان. قد ينجح الأمر لفترةٍ من الزمن، لكن مع مرور الوقت، تصبح الفجوة بين الحل والمشكلة الحقيقية أكثر وضوحاً».
تماماً كما حدث معي ويحدث مع غالبيتنا ؛ فالدَّين لم يختفِ، بل انتقل من مكانٍ إلى آخر، ويعود بفائدةٍ أعلى.
اقرأ أيضًا.. هناء حمزة ناشرة Fifreedomtoday تكتب: لماذا Cash Talk؟
ولماذا يهمّكم هذا، سواء كنتم مستثمرين أم متابعين عاديين؟
لأن ما يجري في سوق السندات الأمريكية ينعكس على العالم بأسره:
- تزايد إصدار الديون، الحكومية منها والشركاتية، إلى جانب تراجع الطلب الأجنبي، يعني ضغطاً مستمراً يدفع العوائد (الفوائد) نحو الارتفاع.
- وكلما ارتفعت عوائد السندات، ازدادت جاذبيتها للمستثمرين مقارنةً بالأسهم.
والنتيجة؟ يصبح قرار «أين أضع أموالي»، بين الأسهم والسندات، أكثر تعقيداً أمام المستثمرين في الفترة المقبلة.
وكما تعلّمتُ من تجربتي، فإن الحلول السريعة قد تكون، في كثيرٍ من الأحيان، مجرد تأجيلٍ لمشكلةٍ أكبر.
درس المال الأبدي واحد، سواء كان على مستوى محفظتك الشخصية أو في أروقة واشنطن: المسكنات السريعة لا تلغي الألم.. والفاتورة المؤجلة تأتي دائماً محملة بفوائد الوقت.

















