بقلم: سيف القرعاوي، محلل أسواق مالية
عاد الذهب اليوم بقوة إلى واجهة الأسواق العالمية، بعدما سجل مكاسب تجاوزت 7% خلال أسبوع واحد، في أفضل أداء أسبوعي له منذ يناير 2026. وبنهاية تداولات الجمعة 7 أغسطس، وصل سعر الذهب الفوري إلى نحو 4,336 دولارًا للأونصة، بينما أنهت عقود الذهب الأمريكية الأسبوع قرب 4,340 دولارًا، بعد موجة صعود قوية أعادت المعدن الأصفر إلى أعلى مستوياته في نحو سبعة أسابيع، بحسب بيانات رويترز، فلماذا يشهد المعدن الأصفر هذه الموجة من الارتفاعات؟
1. بيانات سوق العمل الأمريكي وصدمة الوظائف
وفقًا لوكالة رويترز، هذه القفزة لم تأتِ من فراغ. العامل الأبرز كان بيانات سوق العمل الأمريكي التي جاءت أضعف بكثير من التوقعات، بعدما أظهر تقرير الوظائف غير الزراعية فقدان نحو 23 ألف وظيفة خلال يوليو، في وقت كانت التوقعات تشير إلى إضافة قرابة 80 ألف وظيفة. هذه المفاجأة دفعت الأسواق إلى تقليص توقعاتها بشأن رفع أسعار الفائدة الأمريكية من قبل الفيدرالي، وهو ما انعكس سريعًا على مؤشر الدولار وعوائد السندات ومنح أسعار الذهب دفعة قوية.

2. تراجع عوائد السندات وتكلفة الفرصة البديلة
والقاعدة هنا واضحة: عندما تتراجع توقعات الفائدة وترتفع احتمالات بقاء السياسة النقدية أقل تشددًا، تتحسن جاذبية الذهب لأنه ملاذ آمن، لا يقدم عائدًا دوريًا. لذلك فإن انخفاض تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب ساعد المستثمرين على العودة إليه بقوة.
في منتصف الأسبوع تحديدًا ظهر التحول بوضوح، إذ ارتفع الذهب بأكثر من 4% في جلسة واحدة، مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وضعف الدولار، قبل أن يستكمل مكاسبه حتى نهاية الأسبوع. كما نجح السعر في العودة فوق المتوسط المتحرك لـ50 يومًا، وهو تطور فني أعطى دفعة إضافية للزخم الصاعد، بحسب رويترز.

3. الطلب الصيني ومشتريات البنوك المركزية
لكن قصة الذهب لا ترتبط بالفائدة فقط. حالة عدم اليقين الجيوسياسي ما زالت تدفع جزءًا من السيولة نحو أصول الملاذ الآمن، في الوقت الذي تظل فيه مشتريات البنوك المركزية عنصر دعم طويل الأجل للمعدن. كما أشار تحليل لوكالة رويترز إلى أن الطلب القادم من الصين كان قويًا مؤخرًا، بالتزامن مع نجاح الذهب في الدفاع عن منطقة 4,000 دولار بعد محاولات متكررة للهبوط دونها.

4. اختراق المتوسط المتحرك ومؤشرات التحليل الفني
ومن الناحية الفنية، كانت منطقة 4,000 دولار نقطة مفصلية خلال الأسابيع الماضية. فشل السعر في الاستقرار أسفلها أعاد المشترين إلى السوق، قبل أن تتسارع الحركة ويصل الذهب إلى منطقة 4,300 دولار وما فوق. وهذا يجعل الحركة الأخيرة أكثر أهمية من مجرد ارتفاع أسبوعي، لأنها جاءت بعد فترة ضغط وتصحيح قوية من القمم التاريخية المسجلة مطلع العام.
مسار الذهب مقارنة بالقمة التاريخية
ورغم صعوده الحالي، لا يزال الذهب بعيدًا عن قمته القياسية المسجلة في يناير 2026. بيانات مجلس الذهب العالمي تشير إلى أن السعر الفوري وصل خلال جلسة 29 يناير إلى قمة تاريخية قرب 5,595 دولارًا للأونصة، قبل أن يتراجع بقوة خلال الأشهر التالية، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي.
لذلك، فإن السؤال الأهم الآن ليس ما إذا كان الذهب قد حقق أسبوعًا قويًا، فهذا أصبح واقعًا، بل هل نحن أمام بداية موجة صعود جديدة أم مجرد ارتداد قوي داخل حركة تصحيحية أكبر؟
الإجابة ستعتمد بدرجة كبيرة على بيانات التضخم الأمريكية المقبلة، وتحركات عوائد السندات والدولار، إضافة إلى توقعات الفائدة الأمريكية. استمرار ضعف البيانات الاقتصادية وتراجع توقعات تشديد السياسة النقدية قد يمنح الذهب مساحة لاستكمال الصعود، بينما عودة التضخم بقوة أو ارتفاع توقعات الفائدة مجددًا قد تعيد الضغوط على المعدن.
في الوقت الحالي، الذهب نجح بلا شك في استعادة الأضواء. صعود يتجاوز 7% خلال أسبوع واحد ليس حركة عادية في سوق بحجم سوق الذهب، بل رسالة واضحة بأن المستثمرين أعادوا تسعير توقعاتهم وأن المعدن الأصفر ما زال قادرًا على التحرك بعنف عندما تتغير معادلة الفائدة والدولار والمخاطر العالمية.

















