كيف حوّل أخوان لبنانيان تقنية الزراعة العمودية (الأيروبونيك) إلى مشروع باع 4000 برج محليًا وصدّر 400 لأفريقيا. قصة نجاح مالية من لبنان إلى أبيدجان وأنغولا.
في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة القطاع الزراعي على الصمود بفعل شح المياه وتقطّع الكهرباء، قرر أخوان لبنانيان أن يحوّلا هذه الأزمة نفسها إلى نقطة انطلاق تجارية. تأسست شركة “سويراج” (Swiraj) في لبنان عام 2023 على يد وئام نصر، الحاصل على شهادة في إدارة الأعمال الزراعية من جامعة نهر الراين في ألمانيا، وشقيقه سلام نصر، الذي يتولى الإدارة التنفيذية للشركة. وبحسب ما تعلنه الشركة عن نفسها، فقد كانت أول من أدخل تقنية الزراعة العمودية بنظام الأيروبونيك (Aeroponics) إلى السوق اللبنانية بهذا الشكل، لتنتقل خلال نحو عامين من فكرة ناشئة إلى نموذج عمل يُصدَّر إلى أسواق أفريقية.
كيف تعمل تقنية الزراعة العمودية بنظام الأيروبونيك؟
القيمة المالية لأي منتج زراعي جديد لا تُقاس بجاذبيته التقنية وحدها، بل بقدرته على خفض التكلفة التشغيلية لمن يستخدمه. وهنا تكمن الزاوية التجارية لمنتج “Swiraj“: فبحسب بيانات الشركة، يتكون البرج الزراعي من هيكل ارتفاعه متران يحمل 48 شتلة، ويعمل بخزان مياه سعته 30 لترًا يرفع المياه إلى أعلى البرج ليرشّها على جذور النباتات من الداخل، قبل أن تعود تلقائيًا إلى الخزان في دورة مغلقة تحقق، بحسب وصف الشركة، معدل هدر مياه يقارب الصفر. كما تفيد الشركة بأن البرج يحتاج مساحة لا تتجاوز 60 سنتيمترًا مربعًا لإنتاج ما يعادل 7 إلى 10 أمتار من الزراعة التقليدية، وأن النظام، بغيابه عن التربة تمامًا، يقلّص التعرض لنحو 70% من الأمراض النباتية التي يكون مصدرها التربة عادة، إلى جانب توفير في المبيدات والكيماويات تصل نسبته -بحسب الشركة- إلى 90%، وسرعة نمو للنبتة تبلغ 1.4 ضعف الزراعة التقليدية.
هذه الأرقام، مجتمعة، تعني عمليًا معادلة مالية واحدة: تكلفة تشغيل أقل (مياه، كهرباء، مبيدات، يد عاملة) مقابل إنتاجية أعلى من مساحة أصغر. وهي بالضبط المعادلة التي يبحث عنها أي مزارع أو مستثمر في بلد ترتفع فيه تكلفة الطاقة والمدخلات الزراعية باستمرار.

تصدير الزراعة العمودية اللبنانية إلى أفريقيا
النقطة الأكثر دلالة في مسار “سويراج” ماليًا ليست المنتج نفسه، بل معدل تبنّيه في السوق. فبحسب أرقام الشركة، باعت “سويراج” ما يقارب 4000 برج زراعي داخل السوق اللبنانية وحدها منذ التأسيس، وهو رقم لافت لشركة عمرها أقل من ثلاث سنوات في بلد يمر بانكماش اقتصادي حاد. وفي موازاة ذلك، صدّرت الشركة نحو 400 برج إلى أسواق أفريقية، من بينها أبيدجان وكوت ديفوار وأنغولا، لتتحول من مشروع محلي إلى فاعل تصدير إقليمي.
ولهذا التوسع الأفريقي أهمية مالية خاصة: فهو يعني أن الشركة لم تكتفِ بالبيع في سوق محلية محدودة القدرة الشرائية، بل نجحت في اختراق أسواق جديدة، ما يفتح الباب أمام تدفقات إيرادات بعملات أجنبية، وهو أمر جوهري لأي شركة لبنانية تسعى للاستقرار المالي في ظل تقلبات الليرة اللبنانية.
نموذج عمل وُلد من صلب الأزمة
من الناحية التجارية، تستحق قصة “سويراج” التوقف لسبب إضافي: فهي لم تُبنَ على تمويل ضخم أو رأس مال مخاطر معلن، بل على حل عملي لمشكلات بنيوية يعاني منها القطاع الزراعي اللبناني تحديدًا -شح المياه، عدم استقرار الكهرباء، ندرة اليد العاملة، ومحدودية المساحات الزراعية القابلة للاستخدام. وهذا النمط من ريادة الأعمال، القائم على حل مشكلة محلية ملموسة ثم تصدير الحل ذاته إلى أسواق تعاني مشكلات مشابهة، هو أحد أكثر نماذج النمو استدامة في الاقتصادات الناشئة، لأنه لا يعتمد على ظروف سوق واحدة، بل على قابلية تكرار الحل في أي بيئة تشترك في التحديات نفسها.
الخلاصة
قصة “سويراج” تختصر مسارًا ماليًا مألوفًا في الاقتصادات التي تمر بأزمات: مشروع صغير يبدأ بفكرة تحل مشكلة محلية ملحّة، يكتسب ثقة السوق تدريجيًا، ثم يجد في التصدير طريقًا للنمو حين تضيق السوق المحلية. وبين 4000 برج بيع محلي و400 برج تصدير أفريقي، تقدّم الشركة نموذجًا لكيفية تحويل أزمة الزراعة اللبنانية إلى فرصة عمل قابلة للتوسع خارج الحدود.























